U3F1ZWV6ZTMyMzYwNjYyMjMyX0FjdGl2YXRpb24zNjY2MDE2NTU1NDk=
recent
أخبار ساخنة

مبحث في المصدر الأخلاقي: الفطرة الاخلاقية مجرد أوهام بشرية

ظلت الأخلاق تشغل بال الكثير من فلاسفة العصر الذهبي، ولازالت موضع اهتمام الكثيرون حتى يومنا هذا. والفلسفة الأخلاقية تعد من المسائل المهمة جدًا في حياة كل إنسان، حيث أن حدوث أي خلل في تلك المنظومة الأخلاقية سوف يُسفِر عنه جرائم "غير أخلاقية".
مبحث في المصدر الأخلاقي: الفطرة الاخلاقية مجرد أوهام بشرية
لذا، ما مصدر هذه الأخلاق، الضمير، الإنسانية، أو أيًا كان ما تسمونه؟ هل المنظومة الأخلاقية يمكن اعتبارها فطرة داخل كل إنسان؟ ومضة تُزيح الغمامة عن عيون الشر الكامن داخل أنفس الناس؟ أم أن مصدرها هو الله؟

والإجابة عن هذه الأسئلة لن يكون سهلاً إطلاقًا، حيث أن الشروع في عُمق المنظومة الأخلاقية يستلزم نظرة ثاقبة تزيل الغبار عن كل هذه الاعتقادات التي تحيط بهذه المنظومة.

التاريخ الأخلاقي:

يعتقد الكثيرون أن الأخلاق هي فطرة تم وضعها فينا منذ الصغر مِن قِبَل الله وأن الدين هو الرادع الوحيد، والبعض الآخر يعتقد أن المفاهيم الأخلاقية هي نتاج المجتمع والبيئة التي يترعرع فيها الإنسان، والسؤال هُنا: هل فعلاً هذه الاطروحات صحيحة؟

هُنالك مقولة تقول: "إن كنت تحتاج إلى دين لكي يُردعك عن قتل جارك مثلاً، فأنت حتى في إتباع دينك غير أخلاقي".

في إحدى نقاشاتي مع أحد المؤمنين حول موضوع الأخلاق، قال لي حرفياً: "أن ما يمنعني مِن نكاح أمي هو وجود النص الديني الذي يقول لي ألا أفعل ذلك".
فقُلت له: "إذا أباح الدين نكاح الأمهات، هل كنت ستفعل ذلك؟" أجابني: "بالتأكيد سأتبع أوامر الدين".

وهُنا تكمن المعضلة الأخلاقية الدينية، فالدين يمكنه أن يُحوِل القيمة الأخلاقية إلى جريمة منبوذة في العقل اللاوعي للمعتنقين، والجريمة الأخلاقية إلى طبيعة مقبولة ومستحبّة لدى الناس. أمثال هؤلاء لا يمتلكون أي قيَم أخلاقية، هي فقط مجرد قيَم دينية ثابتة وفي حالة جمود، وإذا غابت عنهم سيتحولون إلى زومبي – بغض النظر عن إنهم يتحولون بالفعل مع وجود الرادع الديني ولكن في الخفاء – ولذلك يكون الدين جيد في بعض الأحوال بالنسبة لهؤلاء.

الدين بالنسبة لي هو مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي يُعتقد معتنقوها بأنها تنظم حياتهم، وهي بالنهاية تحتاج إلى إيمان، والإيمان ليس أمرًا خاضعًا للمعايير العقلية. فأنني أتفهَّم ما إذا كان دينك يدعو إلى الأخلاق، ودين الآخر يدعو للأخلاق، وتثرثر بكمال معتقداتك، والآخر أيضًا يثرثر بكمال معتقداته، فأعتقد لو تصفحت التاريخ والواقع ستجد أن كل الأفكار والمعتقدات الدينية أقامت الحروب، الدمار، وقتلت الفلاسفة والمفكرين، وقمعت المخالفين، وميَّزت بين الشعوب ودمرت الأوطان واباحت قتل المختلفون، كلُّ ذلك بهدف نشر دين يدعو إلى التسامح والأخلاق الحميدة. "ناصر دشتي"

الفكرة البدائية تقول إن عندما تطور الإنسان من فريسة إلى كائن مُفترِس، شعَرَ بالخطر الذاتي كتجربة فردية عندما كان يُفترس. وحينما عرَفَ الحجر والرمح والنار، استطاع أن يسيطر على الغابة، لكنه لم يستطع أن يسيطر على قوى الطبيعة كالزلازل والبراكين وغيره.

فعندما تعرض للخطر عرَفَ أن هُناك خطر، وتذوق ألم الخطر، لذلك انتقلت معرفته إلى حماية أبناءه الذين لم يتذوقوا الخطر أصلاً. هذا الفعل هو تجربة، ومن خلال التجربة ومحاكاته للفعل الذي حدث، أصبح عنده فكرة. هذه الفكرة سكنت في اللاوعي لحماية أطفاله، ثم انتقلت لحماية بني جنسه من الزوال، وأصبح عنده عُرف أو تشريعات.

وهذا ما يُعرف بغريزة البقاء والخوف من الموت والزوال، فبدلاً من الصراع على البقاء، وضع قيود لحمايته هو وأسرته من الموت المُحْدِق بهم. وبفضل التحالف الذي جرى بين أفراد فصيل البشر، وقدرتهم على محاكاة الألم ووضع أنفسهم مكان الآخرين، تحوَّلت تلك القيود إلى قيَم طبيعية وبديهية وعُرفية أيضًا.

ومع التطور التدريجي للعقل البشري والأحداث المحيطة بهِ، تحوَّلت هذه القيَم إلى قيَم عُلْيا مُنْزلةً من السماء، ثم انتقلت إلى قوانين تحكم حياة البشر وتنظم بينهما. وبعدها آتت الأديان كي تريح ذلك الكائن البشري المُتسائِل طوال الوقت، وتعطيه أجوبة مُسكِنة ومخصصة لهذه الحقبة الزمنية فقط.

وعندما اختلفت مناهج المعرفة والمنطق لم تصمد هذه الأجوبة أمام رياح المعرفة الجديدة، بسبب أن تلك الأجوبة أحاطتْ نفسها بالقدسية وعدم المساس بها وتفنيدها والتفكير فيها، والتي كانت في يومًا ما تجدي نفعًا وتسد الفجوة المعرفية لدى البشر.

الفطرة الاخلاقية بين الحقيقة والأوهام:

بسبب دخول فكرة الفطرة الاخلاقية في اللاوعي الجمعي لدى البشر، ظنَّوا أنها حقيقية فعلاً، العقل اللاوعي (العقل الباطن) يجمع ملايين الأحداث ويسجلها ويحتفظ بها دون أن تعلم حتى، ويقوم باستخدامها وقت الحاجة. وهذا هو سبب اعتقاد الناس بالفطرة الاخلاقية.

لمعرفة أصل أي شيء يقتضي بنا العودة للماضي وتفحُّص مجتمعات ذلك الوقت. وإذا رجعنا بالتاريخ سنجد أن "الفطرة الاخلاقية" المزعومة لا وجود لها وأنها تتأثر بالبيئة المحيطة بها ويمكن التلاعب بها بشتى الطُرق، مِن قِبَل الأسرة تارة، ومن خلال البيئة والجينات التي تلعب دورًا كبيرًا في تكوين المشاعر والسلوكيات تارة أخرى.

فَلو فعلاً الأخلاق هي فطرة مزروعة فينا لمعرفة الصواب من الخطأ وأنها ليست نتاج المجتمع والبيئة، فلِمَ إذن هُناك مجتمعات أباحت سبي النساء، وملكات اليمين والعبيد والجواري وقتل المخالف باعتباره شيئًا طبيعيًا ولم تجد أي خطأ أخلاقي في ذلك الأمر.

وظلت العبودية والتجارة البشرية موجودة حتى وقت مجيء "أبراهام لينكولن" حيث وضع قوانين ضد هذه الأفعال التي رأى أنها لا تتوافق مع المعايير الأخلاقية من خلال قدرة الإنسان على محاكاة المعاناة والألم ووضع نفسه مكان الآخرين كما ذكرنا سابقًا، وبفضله تم منع العبودية من الانتشار أكثر من ذلك ورسَّخ في العقل اللاوعي للجمهور هذه الأسس الأخلاقية.

والغريب أن الأديان التي تدّعي الأخلاق الحميدة هي ذاتها التي أباحت سبي النساء، وملكات اليمين والجواري وقتل المخالفين، والمشكلة أن معتنقوها يعتقدون أن هذه هي البوصلة الأخلاقية الوحيدة الصحيحة، ولم يجدوا أي مشكلة أخلاقية مع هذه التعاليم، ثم يقولون ديننا هو مصدر الأخلاق.!

فنستطيع القول بإنه لا وجود للفطرة الاخلاقية، الأخلاق هي مجرد نتاج المعرفة الإنسانية حتى أصبحِت دستور تحكمه قوانين تسكن في اللاوعي الجمعي للبشر، فالقتل والاعتداء هو بدستور البشر جريمة لكن قتل الحيوانات عكس ذلك، فهو حاجة بشرية لوجوب الاستمرار على قيد الحياة، أي أن اللاوعي الجمعي لا يعتبر هذا الفعل كجريمة أو تعدي على الحقوق.

أنا وغيري قد قمنا بتغيير برنامجنا الفكري لرفض أكل اللحوم باعتباره جريمة أخلاقية وتعدي على الحقوق، وهذه المعرفة آتت من خلال القدرة على محاكاة الألم والتعاطف الإنساني مع الآخرين ووضع أنفسنا مكانهما، لكن بالمعيار الاجتماعي نعتبر أقلية تمشي ضد التيار الذي يظن أن هذا الفعل طبيعي وأخلاقي.

اعْتِلال الفطرة الاخلاقية:

المثير للدهشة أن وجود اعتِلال بسيط في المخ يمكنه أن يضرب بالفطرة الاخلاقية عرض الحائط كما سنرى الآن.

الأمراض النفسية والعصبية وحدها تكفي لتغيير سلوكيات أي إنسان، فهل هذه الفطرة تمرض مثلاً؟ في البرنامج الوثائقي "قصة الله مع مورجان فريمان" راح يجوب البحث في المسائل الوجودية وكانت من بينها "لماذا وُجِدَ الشر؟" والشر في هذا السياق يرمز إلى "الأفعال الغير أخلاقية" التي تتسبب في معاناة الآخرين.

توجَّه إلى إحدى سجون الحراسة المُشددة ليقابل رجل يمكنكم مناداته بـ "الشرّ المُتجسِد". ذلك الرجل قد اغتصب أكثر من 12 امرأة، وقتل ثلاثة. وفي حوار مورجان مع هذا الرجل سأله قائلاً: "أعرف ما فعلته وسؤالي هو: أيمكنك إخباري لِمَ فعلت ذلك؟"
أجابهُ بعد برهة من التفكير: "لقد كان شيء وليد اللحظة".
ثم تابع قائلاً: "كانت لدي رغبة أو نزوة، ولم أكُن قادرًا على إيقاف نفسي من ارتكاب تلك النزوة".

فسأله مورجان السؤال الذي يوضّح ما ذكرناه: "هل شعرت بالندم عما فعلت؟"
فأجابه بهدوء تام: "أنا ليس لدي أي مشاعر كأي شخصٍ آخر، أنا لا أشعر (لا يملك القدرة على محاكاة الألم ووضع نفسه مكان الآخرين)، ولذلك لم يكُن هُناك أي ندم".
ثم تابع: "أعتقِدُ أن تركيبتي تختلف عن الجميع".

وهذه التركيبة العقلية التي يتحدث عنها السجين، أطباء الأعصاب يطلقون عليها "اضطراب الشخصية النفسي" وهو فقدان التعاطف والسيطرة على الغرائز، وهذا السجين يُحقِق 99% من هذه الأعراض. أن سلوك السجين نتيجة لخلل في التركيبة العصبية، وهذا الخلل لن يزول بسهولة وربما لن يزول أصلاً لأنه مسجون منذ 30 عام ولازالت الأعراض موجودة.

وعندما سأله مورجان عما إذا كان هُناك طريقة تُمكِنك من الخروج، هل سترغب في الخروج؟
قال له: "سأرغبُ بالخروج، لكن بما أن أنني اقترفت هذه الجرائم فلازال لدي المقدرة – أي المقدرة على فعل الشر – ولن يكون المجتمع في مأمن، لا أمِلك نفس التحكُم الذي تملكه أو يملكه أي شخصٍ آخر".

مما سبق يمكننا استنتاج أن أي تغيُّرات في كيمياء المخ يمكنها أن تحدث تغيرًا على سلوكيات الإنسان مما يجعلنا نتساءل: هل الفطرة الاخلاقية يمكن أن تتعرض للتلف؟ أم أن الفطرة الاخلاقية هي محض خرافة؟

الختام:

يقول الأمر الأخلاقي المطلق: "افعل الفعل بحيث يمكن لمسلّمة سلوكك أن تصبح مبدأ تشريع" أو بعبارة أدق: "بحيث تريد لها أن تصبح قانوناً عاماً لجميع الناس". كما يقول (إيمانويل كانْت) في صيغة أخرى: "افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائماً وفي الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبداً كما لو كانت مجرد وسيلة". [1]

هُناك العالم الذي ننتمي إليهِ باعتبارنا كائنات حسيّة تحددها قوانين الطبيعة كما تحدد الأشياء والظواهر من حولنا. وهناك من ناحية أخرى العالم المعقول الذي ننتمي إليه كذلك، ولكننا نقوم بتحديد أنفسنا ونشرٌع قوانين أفعالنا ونعتبر أحراراً بمقدار خضوعنا لهذه القوانين.

فليست الحرية إلا هذا الخضوع الإرادي للقوانين، أو التحديد الذاتي على حد تعبير (كانْت). والإنسان حرٌ بقدر ما يخضع للقانون الذي يضعه هو نفسه لنفسه. ولكن كيف لي أن أطيع هذا الأمر الصارم المطلق الذي أضعه؟ وكيف أخضع «لينبغي» عليّ فعل هذا و«يجب» عليّ فعل ذاك؟

وأطرح كل ميولي ودوافعي، وأغض النظر عن كل منفعة قد تترتب على فعلي بينما أنا في نفس الوقت كائن حسي كما أنا كائن عاقل؟ إن الجواب الوحيد على ذلك هو في الحقيقة التي تقول إنني أنا الذي أُشْرِع لنفسي هذا القانون، وإنني أنا الذي أحدّد نفسي في كل فعل أقدم عليه، وأن الاحترام الذي أحمله للقانون الذي أُشْرِعه لنفسي هو وحده الذي يجعلني أنفذ بالفعل ما يأمر بهِ الأمر الأخلاقي المطلق للعقل.

وبهذا أكون أعصبت عيني عن كل جزاء يمكن أن يترتب عليه، وأزهد في كل منفعة قد تأتيني منه، ولا أقدم على الفعل إلا لأنني أجد أنه فعل صحيح وحق في ذاته، وأنه يتفق مع سلوكي التي استقيتها من العقل الخالص ورفعتها بذلك إلى مستوى القانون الضروريّ المطلق. هناك أصل إلى الحدّ الذي ليس للإنسان أن يتعداه. فليس لي أن أسأل عن ماهيّة هذا الأمر الأخلاقي لأنني لن أعرف عنه شيئًا. إن (كانْت) سيقول لي عندئذٍ – في نغمة لا تخلو من الحزن والمرارة وإن نبعت من معرفة عميقة بحدود الإنسان وإدراك أليم لتناهيه – إنك لن تفهم من الأمر الأخلاقي في نهاية المطاف إلا أنه لا سبيل إلى فهمه. [2]

لا أريد أن تموت أفكاري معي، أريد أن أفعل شيئًا يُبقيها على قيد الحياة حتى بعد رحيلي.. هذا هو الخلود الحقيقي.
المصادر:
  • اقتباس "ناصر دشتي"
  • [1] كتاب "تأسيس ميتافزيقا الأخلاق" للفيلسوف "إيمانويل كانْت" ص11
  • [2] نفس المصدر ص12 

الاسمبريد إلكترونيرسالة