U3F1ZWV6ZTMyMzYwNjYyMjMyX0FjdGl2YXRpb24zNjY2MDE2NTU1NDk=
recent
أخبار ساخنة

التلقين العقائدي للأطفال: هو سلاح من الأسلحة الفتاكة

التلقين العقائدي للأطفال: هو سلاح من الأسلحة الفتاكة

الأطفال يشبهون الوعاء الفارغ، يمكنك صبّ فيهِ ما تشاء من تعاليم دينية وغير دينية، تطرف، تعصب، عنصرية، جهل. ولكن هذا الجانب السلبي من التلقين، أين إذن الإيجابي؟ في الحقيقة تلقين القيم الإنسانية والعيش بكرامة، والعدالة، والحرية، لا يُسمَّى تلقين، بل أشياء يكتسبها الطفل، سواء في مراحل عمرية متأخرة أو من خلال التمرد، أو حتى من خلال الأسرة. فإذا تم تلقينه هذه القيم ستكون مزيفة لأنها لم تخضع إلى الاستكشاف الذاتي.

فمفهوم التلقين غالبًا ما يُطلق على التعاليم الدينية أو غير الدينية، لأنها هي التي تُشكِل وعي الطفل وتفاعله مع البيئة مِن حوله. إن نظرة (كولبرج) إلى الطبيعة البشرية مماثلة لتلك التي قدمتها أفكار علماء نفس تنمويين آخرين مثل (بياجيه)، و(إريكسون)، و(لوفنجر) وآخرون. وهذا المنظور ينظر إلى الشخص على أنه مبادر نشط ومفاعل في سياق بيئته؛ فالفرد لا يستطيع أن يُغير البيئة بالكامل، ولكن البيئة أيضاً لا تستطيع أن تُشكِل الفرد بالكامل.

فتصرفات الشخص هي نتيجة لمشاعره، أفكاره، سلوكه، وتجاربه. وعلى الرغم من أن البيئة تستطيع أن تحدد محتوى تجاربنا، فإنها لا تستطيع أن تحدد شكلها. والهياكل الجينية الموجودة بالفعل داخل الشخص هي المسؤولة في المقام الأول عن الطريقة التي يستوعب بها الشخص المحتوى، وينظمه ويحوله إلى بيانات ذات معنى شخصي. [1]

لو تركنا البيئة التي تُشكِل التجارب، وتركنا الجينات، فسيبقى العامل الأساسي الذي يمكننا التحكم بهِ، يقع على عاتق الوالدين الذين من خلالهم ستتشكل مشاعر، أفكار، سلوك، وتفاعل الطفل مع هذه التجارب التي ستُشكِلها البيئة. وأي خطأ في هذه العملية سينتج عنه عواقب وخيمة.

مشاكل رواية القصص الدينية للأطفال:

مشاكل رواية القصص الدينية للأطفال:

هل هُناك ضرر فعلاً في رواية قصص عن النبي موسى أو النبي محمد، أو متّى الرسول للأطفال؟

بحسب بحث من جامعة بوسطن، "لا يتمكن الأطفال الصغار ذوو الخلفية الدينية من التمييز بين الخيال والواقع بالمقارنة مع نظرائهم العلمانيين".

وفي دراستين، عُرضِت على 66 طفلاً في سن رياض الأطفال ثلاثة أنواع من القصص - واقعية ودينية وتخيلية. ثم سأل الباحثون الأطفال: هل تعتقدون أن الشخصية الرئيسية في القصة حقيقية أم خيالية؟

وفي حين وجد جميع الأطفال تقريبًا أن الشخصيات الواردة في الروايات الواقعية حقيقية، إلا أن الأطفال اللادينين والمتدينين اختلفوا على القصص الدينية. فالأطفال الذين نشأوا على تربية دينية يميلون إلى النظر إلى أبطال الروايات في القصص الدينية على أنهم حقيقيون، في حين أن أطفال الأسر اللادينية ينظرون إليهم على أنهم شخصيات خيالية.

ورغم أن هذا قد لا يكون مفاجئًا، فإن الأطفال اللادينين والمتدينين اختلفوا أيضًا في تفسيرهم للروايات الخيالية حيث كان هناك سرد قصصي خارق للطبيعة أو سحري.

مثال على هذه القصص:


  1. دينية: «هذا هو يوسف. أُرسل يوسف إلى ملك لئيم في أرض بعيدة. لكنَّ الله أرسل إلىهِ أحلامًا كثيرة حذّره فيها من العواصف الرهيبة، واستخدم هذه الأحلام ليخبر الملك كيف يحمي مملكته من العواصف. فاندهش الملك كثيرًا من يوسف وصارا صديقين».
  2. خيالية: «هذا هو يوسف. أُرسل يوسف إلى ملك لئيم في أرضٍ بعيدة هبّت فيها عواصف هوجاء. استخدم يوسف قواه السحرية ليرى المستقبل، وقال للملك كيف يحمي مملكته من العواصف. فاندهش الملك كثيرًا من يوسف وصارا صديقين».
  3. واقعية: «هذا هو يوسف. أُرسل يوسف إلى ملك لئيم في أرضٍ بعيدة هبّت فيها عواصف هوجاء. أدرك الملك أن يوسف كان بارعًا جدًا في النظر إلى الغيوم والتنبؤ بالوقت الذي يهطل فيه المطر. فاندهش الملك كثيرًا من يوسف وصارا صديقين».

وكتب الباحثون "كان الأطفال العلمانيون أكثر عرضة من الأطفال المتدينين للحكم على بطل الرواية في مثل هذه القصص الخيالية."

تشير النتائج إلى أن التعرُّض للأفكار الدينية يؤثر تأثيرًا كبيرًا في التفريق بين الواقع والخيال عند الأطفال، ليس فقط بالنسبة إلى القصص الدينية بل أيضًا بالنسبة إلى القصص الخيالية.

يعتقد بعض الباحثون أن هذه النتائج تُظهر أن الأطفال المتدينين يستعملون خلفيتهم الدينية ليشرحوا العناصر السحرية لقصص الخيال.

وكتبَ (شادي عشتاري) في صحيفة "هوفينجتون بوست": «عندما يروي الأطفال المتديّنون أحداثًا دينية تبدو مستحيلة تتحقق من خلال التدخل الإلهي، على سبيل المثال: "يسوع حوَّل الماء إلى خمر" بروايات وهمية، يعتمدون أكثر على الدين لتبرير وجهة نظرهم».

بطريقة مثيرة، يقول المُدوِن (ميهتا) "إن هذه الدراسة يمكن اعتبارها دليلًا لأولئك الذين يعتقدون أن التلقين الديني هو شكل من أشكال الإساءة العقلية للأطفال".

لكن ليس كل الباحثون اعتبروا هذه الدراسة انتقادًا للتنشئة الدينية.

وكتبَ (إلياهو فيدرمان) في صحيفة "USA Today": «تثبت هذه الدراسة فائدة الدين لا الضرر، لأن الابحاث تُظهِر كيف أن التفكير الخيالي والتخيُّلي، واللعب في الخيال، يساعد على النمو الادراكي للأطفال». تربية الأطفال بقصص دينية خيالية ليست سيئة على أية حال.

ينمو إدراك الطفل من خلال القصص والمؤثرات التي تحيط بهِ، وهذا يعتبر شيء جيد (أحيانًا)، متى يصبح هذا الأمر سيئًا إذن؟ يصبح الأمر سيئًا عندما يتدخل الإيمان. عندما تحيط بالقصة "هالة قدسية" يصبح الطفل ملزمًا من الناحية النفسية أن يميل إلى تصديقها، حتى وإن بدت له غير متوافقة عقليًا.

ويتابع (إلياهو) "أولئك الذين يزعمون أن الاعتقاد بالقصص الدينية يضر الأطفال، يجب أن يفسروا البحوث والعلوم بشكل صحيح"

يا سيد إلياهو، أنا ليس لدي أي مشكلة مع رواية القصص الدينية للأطفال، بشرط ألا يتم روايتها على أنها قصص مقدَّسة، هُنا سنعطي للطفل مساحة من التفكير العقلاني إلى حدٍ ما والحيادي أيضًا، وفي النهاية سيستمتع بالقصة دون انتهاك لعقليته واجباره على تصديقها لمجرد كونها مقدسة، فإن المطلوب لرواية القصص للأطفال ليس تصديقها، ولكن أخذ العبرة منها وتحليلها لفهم فلسفتها -حسب وجهة نظري.

فنحن جميعُنا نتعلم الروايات التاريخية ولكن دون تقديسها، فحدوثها من عدمه لن يؤثر بشيء على واقع حياتنا، ولكننا فقط نتعلمها من باب المعرفة والإحاطة بالأمور والفلسفات التي فيها. الأمر ذاته ينطبق على القصص الدينية ويجب أن يتم معاملتها على هذا النحو.

تقول (جيني اريكسون): "الموضوع يستحق المزيد من الدراسة قبل التوصُّل إلى استنتاجات. فعلى سبيل المثال: هل سيميل الأطفال الذين يخضعون للدراسة العلمية في سن مبكرة أكثر إلى الاعتقاد بالادعاءات العلمية الزائفة؟ هل سيصدق الأطفال المتديّنون على الأرجح الروايات المعجزة من الأديان الأخرى؟

يميل الأطفال إلى تصديق مثل هذه الأشياء (والبشر عمومًا) لأن هذه الأشياء لا تجعل المخ يستنفذ مجهود في تفنيدها ومن ثم تصديقها. والأطفال بالأخص، يكونون مثل الصفحات البيضاء، التي يمكن أن يكتب فيها أي شخص ما يشاء، فالوعي يتشكّل في المراحل العمرية الصغيرة، ولهذا ليس غريبًا أن يصدق أي شيء.

فالخرافات العلمية لا تقل خطورة عن القصص الدينية، ناهيك عن عمليات التلقين التي تتم في المدارس والمناهج التي تعج بالترهات، فكل هذه السموم التي تأتي من العائلة والمجتمع والمدرسة، تؤثر بشكل كبير جدًا على مسار تفكير الطفل، وتجعله غير قادر على الاستنتاج السليم.

عواقب التلقين الديني واللاديني للأطفال:


الآن، لا شك أن هناك بعض الاختلافات الصارخة بين التلقين الديني وغير الديني. ففي ظل التلقين العقائدي اللاديني، لا يتعرض الأطفال قط للتهديد بالجحيم (وهذا شيء جيد)، أو يضطرون إلى القلق من أن كائن كليّ القدرة يرى كل تحركاتهم. ولكن هناك الكثير من العواقب السلبية.

على سبيل المثال، مع انتشار نزعة الإلحاد في التيار السائد، فإننا نواجه خطر إنشاء جيل من المتعصبين المعادين للأديان، أطفال يكبرون دون فهم الأسباب التي قد تدفع أي شخص إلى التمسُّك بالمعتقدات الدينية، وعدم التعاطف مع هؤلاء الذين يعتنقونها، وعدم القدرة على استكشاف هذه المعتقدات بأنفسهم.

يُعرِف التلقين بوصفه علامة منتصف الطريق بين الإيحاء البسيط والغسيل الكامل للدماغ. يمكنك أن تكون على يقين من أنك تُلقِن أطفالك العقائد إذا علمتهم الآتي:

  1. طريقك هو الطريق الحق الوحيد للاعتقاد. والحق يعني الخير في هذا السياق؛ وهذا لا يعني بالضرورة أنه صحيحًا. لأن أغلب الناس يفترضون أن ما يعتقدون أنه صحيح ــ ولا بأس في ذلك. لكن الحقيقة لا تتساوى دائمًا مع الإحسان أو الأخلاق بعبارة أخرى، الاعتقاد بأن معتقدات الآخرين خاطئة ونحن فقط مَن نملك الحقيقة المطلقة، يجعل الطفل يعادي جميع الناس لمجرد أنهم لا يؤمنون بما يؤمن بهِ، وهذا يهدم مفهوم التعايش من الأساس.
  2. الذين لا يؤمنون بمعتقداتك هُم أقل أخلاقًا، أقل ذكاءً، أو أقل استحقاقًا لاحترامك. ويتجاوز هذا المفهوم المعتقدات الشخصية ليقلل فعليًا من قيمة الأشخاص الذين يرون العالم بطريقة مختلفة، مما يوحي للأطفال بأن أولئك الذين يؤمنون بشكل مختلف "أقل من أن يستحقون الاعتبار الأخلاقي" وهذه هي المفاهيم التي تقود إلى طريق التعصب والعنصرية بأسرع وقت.
يمكنكم أن تروا كيف يتعرَّض المتدينون لخطر تعليم أطفالهم من خلال الإشارة إلى أن الدين هو البوصلة الأخلاقية، وبالتالي الأشخاص الغير متدينين هُم أقل أخلاقًا. ولكن الأشخاص اللادينين يستعملون التلقين العقائدي أيضًا، وخاصةً من خلال الإشارة للأطفال بأن الناس الذين يؤمنون بكيان غير مرئي فوق الطبيعة، سُذج، وغير عقلانيين، وذوي عقلية بسيطة. وفي كلتا الحالتين، يتم إصدار أحكام مسبقة قوية، ولا واحدة منهما تنتمي إلى الأخلاق – أو حقيقية، والأطفال هُم الضحايا في النهاية.

إليكم 5 أسباب أخرى تدفعنا إلى تجنُّب تلقين أطفالنا معتقدات دينية أو معادية للدين:


  1. يمنع تلقين المبادئ "التفكير النقدي". أن أحد الأمور التي تجعل التلقين العقائدي الشديد مخيفًا جدًا هو أنه يمكن أن يعيق قدرة الطفل على التفكير النقدي واستخلاص استنتاجاته الخاصة عن العالم، مستقلاً عن والديه. وتلك هي المهارات التي تتصل مباشرةً بمستوى احترامه لذاته وثقته بنفسه وقيمته الذاتية - وهي نفس الصفات التي ستمكنه من مقاومة ضغط الأصدقاء في سن المراهقة وما بعدها.
  2. عاطفتك يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، فالأطفال الذين يشعرون بأنهم غير مرتبطون بوالديهم (وهذا كثير منهم خلال سنوات المراهقة) قد يستخدمون الدين (أو أي شيء آخر يبدو مهماً لوالديهم) كنقطة تمرد خلال فترة المراهقة كوسيلة لتأكيد سلطتهم وتحقيق استقلالهم. إذا كان افتقارك إلى الدين هو ما يهمّك، فهذا سبب لا يدعو إلى التلقين.
  3. التلقين العقائدي يولد التعصب. النتيجة الطبيعية للحرية الدينية هي جرعة جيدة وصحية من التسامح الديني. من الصعب جدًا تعليم الإنسانية والتعاطف مع الآخرين عندما تؤمن برسالة تقول في مفادها: "أن نظامك هو نظام الإيمان المقبول الوحيد". التسامح الحقيقي يبدأ في المنزل. إذا كنت ستخبر طفلتك أو طفلك بأنه لا بأس للآخرين أن يؤمنوا بطريقة مختلفة، إذن لا مشكلة بإيمان طفلك بشكل مختلف عنك، وإن كنت لن تفعل ذلك فأنت منافق.
  4. التلقين ليس ضرورياً، إذا كنت شخصًا مؤمن إيمان راسخ بطبيعة الكون؛ وإذا كانت معتقداتك منطقية إلى الحد الذي يجعلك تؤمن بها فعلاً؛ فلن تحتاج إلى تلقين أطفالك معتقدات – من المفترض أنها منطقية - إلا إذا كنتَ ترى أن المنطق وحده لا يكفي لهذه العملية. وإذا كان معتقدك يحث على التسامح والإنسانية إتجاه جميع الناس والكائنات الحيّة فليس هُناك أي داعي للتلقين – فمن المرجح جدًا أن يحذو أطفالك حذوك إذا كنتَ تسير وفق هذه التعاليم. فالأطفال هُم مرآة لك وللواقع، تعكس تلك المرآة ما تفعله أنت والواقع من حولها.
التلقين لهوّ من الأسلحة الفتاكة جدًا، استخدامك له سيكلفك أرواح الكثير. إذا تم تلقينك في صغرك، فلا ترتكب الجريمة ذاتها مجددًا وتُلقِن أطفالك ما تراه أنت صحيحًا، لأن ما تراه أنت صحيحًا من الممكن جدًا ألا يبدو لهم صحيحًا فعلاً إذا أعطيتهم فرصة التفكيرالنقدي. اجعل الجريمة تتوقف عندك ولا تُشارِك في استمرارها.

المصادر:

الاسمبريد إلكترونيرسالة