U3F1ZWV6ZTMyMzYwNjYyMjMyX0FjdGl2YXRpb24zNjY2MDE2NTU1NDk=
recent
أخبار ساخنة

الاعتقادات الراسخة: الجدار الفاصل بين الحقيقة والخرافة


الكثير من الاعتقادات الراسخة والأديان التي يؤمن بها الناس، هي في الأصل امتداد لميثولوجيا وأفكار قديمة جدًا تشكَّلت عبر السنين كالرواسب.
الاعتقادات الراسخة: الجدار الفاصل بين الحقيقة والخرافة
ومع تراكم هذه الرواسب أصبح الكثير غير قادرين على تمييز الخرافات من الحقائق وسط أدغال هذه الرواسب التي تحيط بها هالة قدسية تشبه شِباك العنكبوت التي يصنعها بذكاء بالغ حتى يوقع بالفريسة.

علاوةً على ذلك، فلقد كُنَّا وما زلنا فريسة سهلة في شِباك الخداع والتضليل مِن قِبَل القداسة التي وضعناها بأنفسنا على الأشياء التي نؤمن بها. فالإيمان لهوّ أداة خطيرة جدًا لحجب المنطق والشك المطلق، حتى يحتل مكانهما اليقين والثقة العمياء.

المشاكل الكبرى خلف ستار الإيمان:

أريدكم ألا تظنوا أنني متحامل على الإيمان، فالإيمان هو سمّة رائعة جدًا عندما لا ينحرف عن مسار يؤدي إلى فجوات منطقية وإنسانية عديدة. ودعونا نأخذ مثالاً يوضح الأمر:
إذا قُلت لي أن شُرب الماء على معدة فارغة هو أمر مفيد، بينما أنا قُلت إنه مضر. ففي هذه الحالة، نحن الأثنان لدينا ادعاءات تحتاج إلى أدلة، فقمت أنا بتقديم الأدلة الفلسفية والمنطقية والتاريخية والعلمية التي تثبت ادعائي.

لكن فلنفترض أن ادعاءك محاط بهالة قدسية لا تسمح بأن يكون مخطأ، وأن هذه الهالة تمت صنعها منذ قرون، فمهما قدَّمت لك من أدلة فسيكون لديك اعتقاد مسبق بأنه يستحيل أن يكون ادعاءك على خطأ.

مهما أثبتت التجارب العلمية، ومهما قال المنطق والتاريخ، ومهما قالت الفلسفة والإنسانية، فدائمًا سوف ننساق وراء الأشياء التي نشأنا عليها والتي تربطنا بالماضي، بسبب أن البديل قد يكون صعب جدًا وغير مريح، ولهذا الناس تكون غير مستعدة للتغيير (هذا ما وجدنا عليه أبائنا).

تخيَّل أن النظام الغذائي الذي نشأت عليه منذ الصغر، والمكوَّن من أصناف عديدة، أن بعض أصنافه التي تأكلها غير مفيدة وغير إنسانية، فبالتأكيد ستُصاب بالذهول وقد تقول عليّ أحمق أو مجنون، وخصوصًا لو كانت هذه الأصناف معززةً باعتقاد راسخ فسيكون من الصعب عليك تقبُّل الأدلة المطروحة.

صعوبة تقبُّل الأدلة على العقل العاطفي:

 من الأسباب التي تدفع الإنسان إلى اعتقادات راسخة أو مسبقة هو العقل العاطفي. عندما يطغى العقل العاطفي على العقل المنطقي ويمسك زمام الأمور، تكون هذه هي النافذة التي سيمرّ من خلالها الأشياء التي تتوافق مع احتياجاته النفسية فقط كما قُلنا في مقال التفكير النقدي.

أن الأنظمة الغذائية التي نشأنا عليها منذ الصغر، كأكل لحوم الحيوانات وأخذ حليبها وبيضها وصوفها واستخدامه في أشياء عديدة جدًا، جعلتنا نعتقد أن استعباد الحيوانات هو أمر طبيعي، بل وإلهي أيضًا، ممّا يتسق مع حاجاتنا الأنانية والاعتماد الكُلي عليها.

موضوع ذات صلة: هل البشر من آكلي اللحوم؟ | بالتاريخ والأدلة: البشر كائنات نباتية الأصل

تطوُّر الإنسان لم يكن في صالح الحيوانات التي لازالت تعاني من قوانين البقاء الغبيّة حتى الآن، ولأن البقاء للأقوى حسب المقولة المزعومة، أدى ذلك إلى عذاب الكثير من الكائنات تحت وطأة الظروف المحيطة والكائنات المفترسة بجانب أنياب الإنسان التي لم ترحم هي أيضًا.

فمثلاً النحل يقوم بامتصاص رحيق الأزهار حتى يستطيع صنع العسل - فمِن ناحية المنطق - الأزهار لا تجد مشكلة في ذلك الأمر، لأنها تبقى زهرة كما هي ولا تتأذى ما لم يتم اقتطفاها. فعلى الجانب الآخر نرى الإنسان يقوم بسرقة العسل دون أي عناء، ودون أن يضع في الاعتبار تعب هذا العمل الشاق الذي يقوم بهِ النحل.

فَلو كانت حقًا الطبيعة تتماشى مع ما نعتقده نحن، لكان النحل لا يجد أي مشكلة في أخذ الإنسان أو أي كائن آخر للعسل الذي يصنعه، بينما نجد أن الإنسان قام بصناعة ملابس مخصصة لسرقة العسل حتى يتفادى لدغات النحل المميتة أحيانًا.

النظام الغذائي والدين:

ذكرنا أعلاه أن من الصعب دحض النظام الغذائي المبني على موارد الحيوانات والمحاط بالهالة القدسية، ولأن الأمر يكاد يكون مستحيل التصديق على الإنسان الذي يعتمد على الحيوانات في كل جانب من جوانب حياته، ممّا يجعله يعتقد أنه لن يقدر على العيش من دونها.

وقد يكون الأمر صحيحًا بالنسبة للإنسان الذي لا يمتلك القدرة على تقبُّل أو إيجاد بديل، فالأمر ذاته ينطبق على الدين، أن الدين هو مصدر الأمل والراحة النفسية لدى الكثير، فإن أخبرتهم أن هذا الدين ليس من عند الله كما يعتقدون، فسوف يعتبرونك مجنون لا محالة، وحتى إذا أريتهم الأدلة فلن يصدقوها.

لأنهم يحملون اعتقادات راسخة تقول في مُفادها "من المستحيل أن تكون الأشياء التي نشأنا عليها هي في الواقع خرافات ليست لها علاقة بالله" أن هذا الأمر بمثابة هدم الجدران التي بنوها حول هذه الاعتقادات منذ سنين عديدة، فإن هدمها ليس أمراً سهلاً إطلاقاً.

ولأن النظام الغذائي والدين لهما نفس السمّات المشتركة في السيطرة على كل جوانب الحياة، فهُم من الأشياء المهمة جدًا للاستمرار في العيش بالنسبة للإنسان الغير قادر على إيجاد بديل يملئ الفراغ الذي سيلازمه بعدما يترك شيء تربى عليه منذ الصغر.

إن تعقيد المسائل الفكرية على أرض الواقع يتفاوت بين مسألة وأخرى حسب مدى تشعّب كلّ مسألة وتداخلها مع جوانب متعددة من الواقع وطبيعة البشر. إذ إن عالم الأفكار هو عالم متعدد الأبعاد من جانب، وتراكمي من جانب آخر، فتكون الأفكار متداخلة ومتفاعلة، ما يجعل فصل الفكرة وعزلها لدراستها تجريديًا أمرًا متعذرًا. [1]

لماذا لا يعتبرون نهب موارد الحيوانات هي سرقة؟

لقد قام الإنسان بحياكة القوانين حتى تتناسب مع ما يتم سرقته منه فقط، أمّا عندما يفعل الشيء ذاته مع كائن آخر، فلا يعتبره جريمة سرقة، بل أمراً طبيعيًا مدعوم بأمر إلهي.!

نحن نعلم جميعُنا أن الحياة غير عادلة في الكثير من الأحيان، بجانب أن قوانين البشر غير منصفة أيضًا، فتبقى العدالة الإلهية التي من المفترض أن تقوم بتصحيح موضع الخطأ الذي قام بهِ الإنسان، لا بتعزيزه.!

فمثلاً حين نتناول بعض المسائل المعقدة كمدى صحة أكل لحوم الحيوانات منطقيًا وأخلاقيًا، يكون الاستدلال مرحلةً لا مفر منها لاختبار قوة مختلف جوانب هذا الموضوع المعقد ومنطقيته، والذي يشمل زوايا متعددة يجب أن تؤخذ في الحسبان.

والتي منها: هل ينطبق القانون الأخلاقي البشري على باقي الكائنات أم إنه قانون بشري محض؟ هل النباتية مذهب صحي؟ وهل يستطيع البشر الاستغناء على اللحوم كليًا؟ هل تتحمّل الحيوانات عِبء صحتنا واستمراريتنا في هذا الوجود؟

ماذا عن النباتات؟ ولماذا نفرق بينها وبين الحيوانات؟ هل تحسّ النباتات بذلك الظلم؟ وحتى لو لم تحسّ، هل يستلزم الاعتداء إحساس؟ هل يؤثر تغيير طبيعة الإنسان اللَّجمة على التوازن الطبيعي للكون؟

وقد يصبح الأمر أكثر تعقيدًا إذا ما اعتبرنا بعض الأفكار المتطرفة ككون أكل النباتيين للنباتات تضييقًا على الحيوانات ومزاحمة لها في غذائها من وجه، وأكل غير النباتيين للحيوانات هو خدمة للنباتات من وجه آخر بالقضاء على عدد هائل من الحيوانات العاشبة، أو هل نترك كل هذه الاعتبارات المعقدة ونعيش ببساطة على طبيعتنا دون اعتبار للأخلاق؟ [2]

أسئلة كثيرة يجب أن تؤخذ بعناية وتُدرس بحذر، ونحن أمام مثل هذه الأسئلة العميقة يكون الحل الوحيد لترجيح كفة على الأخرى هو الاستدلال الذي يصب في نقاش مختلف الأدلة ومقارنتها لنصل إلى النتيجة الأكثر منطقية وواقعية.

أنني لا أظن أن علينا ترك هذه الاعتبارات والعيش ببساطة على طبيعتنا دون اعتبار للإنسانية لمجرد كونها معقدة، لأنني ببساطة لا أعتبر أن هذه هي طبيعتنا وهذا الذي يدفعني دائمًا إلى البحث المستمر بخصوص هذه المسألة التي أعتبرها من المسائل الوجودية التي يجدر الخوض فيها وتفنيدها مثلما يجدر الخوض في الدين تمامًا.

أنك تتوقع دومًا من الله أن يكون شيئًا آخر، شيئًا لا يريد الله أن يكونه، ولهذا تظن أن احتياجاتك وآمالك هي أوامر منه، بينما هي ليست كذلك.

المراجع:
  • [1] كتاب رجل القش ص7
  • [2] نفس المصدر ص11


الاسمبريد إلكترونيرسالة