U3F1ZWV6ZTMyMzYwNjYyMjMyX0FjdGl2YXRpb24zNjY2MDE2NTU1NDk=
recent
أخبار ساخنة

التفكير النقدي: قواعد وأدوات للتفكير النقدي السليم


منذ العصور الوسطى ولم ينال التفكير النقدي موضع ترحيب لدى عامة الناس من البسطاء وحتى من عُليَّة القوم. فالعوامل النفسية التي تشكّل البشر تلعب دورًا كبيرًا في الهروب إلى الصندوق. أن التفكير خارج الصندوق يعتبر خطيئة كبرى بالنسبة لهم.
التفكير النقدي
من المعلوم أن العصور الوسطى قد ولّت وانتهت، ولكن هذا ليس صحيحًا. فالعصور الوسطى موجودة حتى الآن في داخل عقول الكثيرين.
فإن كلّ مَن كان يخرج عن القطيع ويتبع أسلوب مغاير، كانت الكنيسة تتهمه بالهرطقة ومحاربة الدين. وحتى الآن ذلك الأسلوب الذي اتبعته الكنيسة، يتبعه الكثيرون في أرض الواقع.

جميع العلماء الذين ظهروا في العصور الوسطى، لقد صدرت ضدهم سلسلة من الأحكام التكفيرية البشّعة. والجدير بالذكر أن الكنيسة لم تكن وحدها مَن فعلت ذلك. فإن جميع العلماء والفلاسفة الذين ظهروا في العصور الوسطى الإسلامية تم قتلهم وصلبهم وطردهم وحرق كتبهم، ليس لشيء سوى أن فكرهم كان يسبق عصرهم.

وأمثال هؤلاء كثيرون جدًا، من بينهم أبن سينا، أبو بكر الرازي، والخوارزمي، وغيرهم الكثيرون ممّن أتخذوا أسلوب مغاير وخرجوا من صناديقهم، فكان مصيرهم الهلاك.

أنني أعتقد أن ثمة لذة تتولد حينما يحارب أحدهم المنطق والعلم، في سبيل ألا تختفي الهالة القدسية التي وضعها على الأشياء التي يؤمن بها. وربما ثمة خوف! أن الخوف لهوّ أكبر الدوافع التي يمكنها أن تقود الإنسان إلى الكهوف المظلمة التي كان يعيش فيها سابقًا.

أن منهج التفكير النقدي يكمن في تحطيم أغلال ذلك الخوف والخروج إلى العالم. ولكي تفعل ذلك يجب عليك أن تدرك أنه لا يوجد قيود في أي شيء على الإطلاق، حتى الأشياء التي تعتبرها مقدسة.

وفي الحقيقة ثمة أمر يجدر الإشارة إليه. ليس من السهل أن يتبع الناس ذلك الأسلوب في التفكير النقدي، لأن ذلك التفكير النقدي يضع البعض في منتصف الطريق ويتركهم وحدهم دون أيَّة تعليمات.

فالكثيرون لا يستطيعون تقبّل نتائج ذلك التفكير النقدي، أن اتباع الأدلة لهوّ أمرٍ صعب جدًا على الإنسان الذي لا يمتلك آليات ما بعد النتائج.

فبسبب أن البعض ليسوا لديهم رغبة في تصديق الدليل، ينتهي بهم الأمر إلى حالة الجمود الفكري الذي سينتج عنه العنصرية، التعصب، الإيمان بامتلاك الحقيقة المطلقة. وإن ظهرت الأدلة بأنه مخطأ، سيحاربها بكل ما أوتي من قوة.

أن حالة الجمود الفكري بمثابة حاجز بين الشخص والحياة الواقعية، سيتلاشى ذلك الحاجز الوهمي فور ادراكه بأنه لا يوجد مسلمات في أي شيء على الإطلاق.

هؤلاء الذين قالوا لنا أن الموروثات من المعتقدات هي مسلمات لا يجب التفكير فيها، هُم يعلمون جيدًا أن تلك الموروثات لن تصمد أمام رياح المنطق، ولذلك يستعلمون هذا الترهيب السخيف. أن تمكين زر التفكير النقدي يجعل رياح المنطق تهُبّ أمام جميع الأشياء التي يُصدقها الناس دون أيَّة أدلة.

أن التفكير النقدي بمثابة جرس انذار يخبرك (أن هنالك خطأ ما، يجب عليك البحث للتأكد)
أن سر التفكير النقدي يكمن في اتباع القواعد الآتية:
  • الشك في كل شيء حتى وإن كان مقدسًا لديك.
  • البحث دون قناعات مسبقة أو تحيُّز أو أحكام مسبقة.
  • السير وراء الدليل وليست احتياجاتك النفسية.
  • إدراك أنه لا وجود للمسلمات.

هذه أهم القواعد من وجهة نظري، التي سوف تقودك إلى تفكير نقدي سليم. وسنتعمق أكثر في هذه القواعد في السطور التالية.

الشك:

من خلال الشك، لن تتمكن من تقبُّل الأشياء التي كنت تراها منطقية في السابق حتى تثبت صحتها.
وبذلك لن يستطيع أحد تمرير أيَّة معلومة من أمامك حتى تبحث وتتأكد من كونها صحيحة أم خاطئة.

الشك سيجعلك تتساءل بصفة مستمرة، حيث لن يستطيع أحد تضليلك بالمعلومات الزائفة لمجرد أنه يستغل إيمانك بشيء ما.
الشك هو اللُبّ الذي يدحض أي زعم يظن صاحبه أنه قوي، بينما هو هش عندما تشك فيه.

بعبارة مختصرة، أنك سوف تشك في أي شيء وكل شيء، وهذا الذي سوف يدفعك إلى التقدم الفكري بصفة مستمرة.

البحث دون قناعات مسبقة أو تحيُّز أو أحكام مسبقة:

عندما تقوم بالبحث عن فكرة ما وقناعاتك عن هذه الفكرة بأنها صحيحة مئة بالمئة والعكس صحيح. فإن نتائج البحث التي سوف تحصل عليها ستكون فاسدة منطقيًا.

الانحياز التأكيدي تكون نتائجه مشابهة جدًا للقناعات المسبقة. حيث أن الانحياز التأكيدي يدفع الإنسان للبحث عن تفسيرات للأشياء التي تؤرقه، ولكن ذلك البحث يكون بطريقة تتوافق مع ما يعتقده صحيحًا.
وهذا يجعله يرى فقط الأشياء التي يريد رؤيتها، أما الأشياء التي تخالف ما يعتقده يحجب رؤيته عنها. وبالتالي سيرفض كل الأدلة التي تشير إلى نتائج أخرى.

الأحكام المسبقة تجعل الإنسان يرفض الأفكار لمجرد أن صاحبها لا يروق له. ومثال على ذلك:
عالِم مٌلحد توصَّل إلى دلائل علمية في بعض الأمور، فسنرى أن البعض سيرفض هذه الدلائل لمجرد أن مَن وجدها "ملحد".
فبدلًا من مناقشة الأطروحة والتفكير فيها، يذهب إلى شخصنة الأمور ومحاربة الشخص ورفض أيَّة فكرة يقدمها ذلك الشخص.

السير إلى حيث يقودك الدليل وليست احتياجاتك النفسية:

الكثير من الناس لا يتقبلون أدلة معينة لأن هذه الأدلة تضرب في عصب الاحتياجات النفسية لدى البشر.
المشكلة ليست في الاحتياجات في حد ذاتها، فالجميع يحتاج إلى أشياء. المشكلة تكمن في أن هذه الاحتياجات النفسية تشكّل المشاعر والعاطفة، والعاطفة تغلق مراكز المنطق في المخ.
ممّا سيجعل رفضك للأدلة ليس قائمًا على دليل بل على أنك تحتاج إلى هذا الشيء لذلك رفضت الأدلة التي تشير إلى أنه خطأ. وهذا شيء غير منطقي بالمرة.

إدراك أنه لا وجود للمسلمات:

المسلمات والشك مترابطان، حيث أن الشك سيجعلنا ندرك أنه لا وجود للمسلمات وأن كل شيء يخضع للتفكير النقدي. الشك المطلق.
أن مَن أبتدع فكرة المسلمات هو يعتبر أن العقل قاصر في الوصول إلى الحقائق، وهذا الادعاء منافي تمامًا لِمَ توصلنا إليه من حقائق عظيمة.

هؤلاء الذين يتبنون فكرة المسلمات لا يعلمون أن هذه الفكرة هي إهانة كبيرة لعقولهم وتسخيف لهم، وتدفعهم إلى الكسل الفكري وعدم البحث عن الحقيقة. لِمَ سنبحث عن الحقيقة والحقيقة معنا بالفعل؟

هنالك رأي "لبوذا الحكيم" في صدد هذا الأمر، يجدر بنا ذكره لأهميته:
«ليس من المناسب لرجل يساند الحقيقة ويحميها أن يصل إلى نتيجة مفادها أن هذا وحده هو الحقيقة وكل ما عداه باطل»
وعندما سأله أحد التلاميذ عن ماذا يعني بذلك، فقال:
«الإنسان له معتقده، فإذا قال: هذا هو اعتقادي، حتى هنا هو يساند الحقيقة، ولكنه لا يستطيع أن يتقدم عن ذلك للوصول إلى النتيجة المطلقة وهي «تلك وحدها هي الحقيقة وكل ما عداها باطل». وبعبارة أخرى: إن الإنسان يستطيع أن يؤمن بما يشاء، ويستطيع أن يقول: إنني مؤمن بذلك. حتى هنا هو يساند الحقيقة، ولكن بما أن ذلك هو إيمانه ومعتقده فيجب عليه ألا يقول بأن ما يؤمن به هو وحده الحقيقة وكل ما عداه باطل»

لا يوجد أحد على وجه الأرض يمتلك "الحقيقة المطلقة" ومَن يدعي ذلك، فليأتي بالدليل. وحتى تستطيع الالتزام بالقواعد التي ذكرناها أعلاه. فعليك أن تخلع عنك ثوب قداسة الأشياء. ابحث بحيادية وتعامل مع الأفكار بحيادية تامّة. واعلم أن لولا الأخطاء لم نكن لنتعلم شيء. أننا نخطأ دومًا، وبهذا المفهوم سنصل إلى النضج الحقيقي، النضج وليست الحقيقة المطلقة.
دع عقلك يسمو وراء البحث والأدلة المنطقية، وراء التفكير النقدي، الحيادية، الإنسانية. لقد وُجْد العقل كي يجتاز جميع الحواجز التي يعتبرونها حواجز فعلاً. كي يلتحم بالكون ويطفو. أخرِج عقلك من الصندوق الذي وضعته فيه، هذا ليس مكانه.

المصادر:



الاسمبريد إلكترونيرسالة