U3F1ZWV6ZTMyMzYwNjYyMjMyX0FjdGl2YXRpb24zNjY2MDE2NTU1NDk=
recent
أخبار ساخنة

مغالطة التعليل الخاطئ | هل يحبنا الله أكثر من غيرنا؟

العديد من الناس تقع في فخاخ المغالطات المنطقية عن طريق الخطأ أو عن قصد للتضليل، والمغالطات المنطقية ببساطة تجعل الحجة أو الطرح يبدو منطقي وسليم ولكن عندما ننظر من الداخل نرى أنه فاسد ولا يصلح للاستدلال به. 

ونرى ذلك بوضوح في الحياة اليومية، حيث يستخدم الكثير من الناس هذا الدعاء الذي يقول:
الحمد للهِ الذي عافانا ممّا ابتلى به كثيرًا من خلقه، وفضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلًا.
وفي هذا المقال سأوضّح أن هذا الحديث قد وقع في مغالطة منطقية، وأنه لا يُمكن أن يستخدم الله آلية التفضيل بين شخص وآخر.

مغالطة التعليل الخاطئ | هل يحبنا الله أكثر من غيرنا؟

ممّا لا شك فيه أن العديد من الأُسرٌ يستخدمون أساليب سيئة جدًا في التربية، فبدلًا من أن يُعاملون أبناءهم على حدٍّ سواء تحت أي ظرف، يتوجهون إلى استخدام آلية التمييز عندما يسوء الوضع مع أحد الأبناء.
فتصبح المعاملة غير عادلة حتى وإن أخطأ الأبن المفضّل لدى الأسرة، فاللوم كله يقع على عاتق الأبن المضطهد والغير مميز.
ونحنُ نعلم جيدًا تأثير ذلك التمييز على الأطفال، فهو تدمير لنفسيّة الطفل.

ما الذي سيحدث إذا وضعنا الله في هذه الآلية؟

البشر يقعون في هذه الآلية لأنهم في الكثير من الأحيان لا يستطيعون التحكم في انفعالاتهم ومشاعرهم، وهذا الذي يقودهم إلى ارتكاب حماقات كبيرة.
ولأن البشر لا يمكنهم معرفة ابعاد ارتكاب هذه الحماقات، لذلك يفعلونها.

ولكن ماذا عن الله؟ هل من المنطقي أن نُقر بأن الله يفضّلنا عن غيرنا لمجرد أن غيرنا مصاب بمرض ما مثلًا؟ هل هذا يتماشى مع صفات العدل المطلق لدى الله؟

التمييز بين الآخرين لا يتماشى مع صفات الله


لنفترض أن الأسرة هي الله والأبناء هُم نحن، فقامت الأسرة التي هي "الله" بالتمييز بين أفراد الأبناء الذين هُم "البشر"، وتفضيل أحدهم عن الآخر في المعاملة، ليس هذا فقط بل وقاموا بوضع سُمّ في طعام الأبن المضطهد.
الشيء المنطقي الذي سيحدث أن هذه المعاملة السيئة سوف تنعكس بالسلب على نفسيّة الأبن المضطهد، ومن الغير عقلاني أن يبرر هذه الفعلة بأن يقول إن أسرته قد وضعت السُمّ في طعامه لأنها تُحبّه.!

ولكن لسوء الحظ يحدث العكس لأن هذه ليست الأسرة بل الله. فالله لا يُمكن أن يفعل شيء خاطئ، المنطق يقول هذا. لكن هذا ليس صحيح مع هذا الدعاء الذي ذكرناه في البداية.

فالمصاب بالمرض يدَّعي أن الله هو الذي ابتلاه لأنه يُحبه ويفضّله عن الآخرين، والغير مصاب ينظر للمصاب على أن الله فضّله ممّا أبتلى به غيره. معضلة نفسيّة معقدة جدًا.
فالسؤال هنا:
  • هل الله عندما يحب أحدًا يبتليه؟ أم هل عندما لا يبتليه يُحبّه؟
  • هل الأبتلاء حب أم عدمه هو الحب؟

مغالطة التعليل الخاطئ التي وقع فيها الدعاء


يفترض الكثير من الناس أن طالما لم يصيبه ذلك السُمّ الموضوع في طعامه بينما أصاب رفيقه، إذن لا بدَّ أن يكون لله يد في هذا وهو بالضرورة يفضّله عن رفيقه وإلا لِمَ أنقذه؟

المشكلة أن هذا الافتراض يتناسى تمامًا المؤثرات الخارجية الأخرى التي تلعب دورًا كبيرًا، وينصبّ تركيزه على أنه لم يُصيبه مكروه بينما رفيقه لا مشكلة في ذلك.

لا بدَّ أن نفهم أن ليست كل الأسباب تؤدي بالضرورة إلى مسبب أو مؤثر واحد. فالمؤثرات كثيرة جدًا ولكننا نتجاهلها لكي نضع المسبب الأسهل وهو الله.

حيث أن حدوث شيء ما غير مفهوم في الوقت الحالي ليس معناه أن الله له يد في هذا الأمر، وإن كنت ستستخدم ذلك التفكير فلا بدَّ أن تفهم أنك تُهين الخالق إهانة كبيرة.

فربما قد يكون الطعام ليس فيه سُم أصلًا، ورفيقه مريض لسبب آخر. ولقد جاءته نوبة المرض أثناء لحظة تناوله للطعام، هذه مصادفة وتحدث مع الجميع وليس من المنطقي أن نضع الله في مثل هذه الأشياء التي لا تثبت شيء على الأطلاق.

لا يحتاج الله أن يبتلي أحدًا


لكي نستطيع النظر للأمور بمنطقية تامّة يجب علينا ألا نأخذ قرار مسبق بالنتيجة، لأن النتيجة هكذا ستصبح فاسدة ولا يُمكن الاستدلال بها.

المثير للعجب أنه لا يُمكن تحديد ما إذا كان هذا ابتلاء أم مجرد مشكلة عادية، ورغم ذلك يدَّعي الكثيرون بأنهم يُمكنهم تحديد ذلك وكأن الله أخبرهم بهذا.
حسب اعتقادي، فالابتلاء سلعة تُباع بكثرة بين عامّة الشعب البسطاء، فالبسطاء يُستغلون من قِبَل تجار الدين عندما يأتون إليهم طلبًا في المساعدة، فيقولون لهم: "هل أنتم حمقى؟ أنه ابتلاء من الله لكي يعرف مدى إيمانكم به" (وكأن الله ليس كُلِيّ العلم).

بما أن الابتلاء من الله فلا يُمكن أن يرفضه أحد حتى وإن بدا الأمر شرًا، فهو بالطبع ليس كذلك في أعين تجار الدين، ولكن تراهم حينما يُصابون بمرض خطير يذهبون للعلاج ولا يقولون إن هذا ابتلاء، فالابتلاء لهوّ سلعة مخصصة للبسطاء وليست مخصصة لهم طالما يمتلكون المال.

دعونا نتوغل بعمق أكبر داخل منظومة الابتلاء، فالابتلاء يحدث لأن الله يختبرنا ويُحبّنا ويود أن يعرف مدى إيماننا به.

تخيَّلوا المشهد التالي: -

أبٍ يعامل أحد أبناءه برفقٍ شديد وبدون استعمال أي وسائل عنف، وفي أحد الأيام قرر أن يعكس الأمور ويقوم بتحويل تلك المعاملة إلى أبن آخر ومع استعمال وسائل العنف التي لم يستعملها من قبل، وهذا كله لكي يعرف مردود ذلك على الأبن المُدلَّل.

ولأن الأب لا يعرف النتائج مسبقًا، فُوجئ أن أبنه الذي لم يعنفه أبدًا وكان يحبه ويفضّله على أبناءه الآخرين، بدأ يكرهه وكرهه لأباه كان يزداد يومًا بعد يوم، والأب مازال مذهول من هذا التحوُّل الغريب بالنسبة له.

وإذ فجأةً قرر الأب أن يتوقف عن هذا العبث الذي يفعله وأن يخبر أبنه بأنه كان يفعل ذلك لكي يختبره. تخيَّلوا أنتم ما الذي ستكون عليه ردة فعل الأبن؟ وتخيَّلوا أن الله يستخدم هذا العبث معنا؟

من المفترض أن الله قد كتب كل شيء قبل الخلق ويعرف كل ما سيحدث قبل أن يحدث، ولهذا فالله لا يحتاج إلى منظومة الابتلاء لكي يختبرنا، الله لا يحتاج إلى أن يعبث معنا لكي يعرف مدى إيماننا به، من المفترض إنه يعرف كل هذا مسبقًا.

فالأب قام بفعلته الهمجية تلك لكي يرى النتائج لأنه لا يعرفها، ولو كان يعرفها لم يكن ليقوم بهذه المخاطرة وإلا فهو مجنون، لا خيار آخر.

فهل الله يعرف النتائج مسبقًا؟
- نعم يعرفها.
إذن لماذا يستعمل الابتلاء؟
- ليختبرنا.
الاختبار يعني عدم المعرفة، فالمُعلِّم يختبر تلاميذه لأنه لا يعرف مَن الذي سوف يجتاز الاختبار، وهذا منطقي بالنسبة لبشري ولكنه ليس كذلك بالنسبة لله كُلِيُّ المعرفة.
فالإيمان بفكرة الاختبار تتعارض مع مفهوم القدر، فلو كان الله يعرف كل شيء مسبقًا وقدَّره لنا فلماذا يختبرنا؟
- أن لله حكمة في هذا.
هل أخبرك الله بحكمته؟
- كلا.
وكيف لك أن تعلم أنها حكمة؟ أم أنك تفترض على لسان الله؟

منظومة الابتلاء مبنيّة على افتراضات لا أساس لها نربطها بالخالق. الابتلاء فكرة بشريّة باحتة قائمة على أساس عدم معرفتنا بالحوادث العشوائية التي تحدث لنا كل يوم.
من مصائب، أمراض، وفاة أحدهم، إلى آخره..
ولهذا صنعوا أسلافنا القدماء هذه المنظومة، فعلى سبيل المثال:

عندما كانت السماء لا تُمطر كانوا يعتقدون أنهم قد فعلوا شيئًا أغضب آلهة المطر ولهذا لم يهطل المطر.
فجميعُنا نعلم الآن أن المطر لا يهطل إلا في فصل الشتاء، وفي الفصول الأخرى تحت ظروف معيّنة. لكن أسلافنا لم يعرفوا ذلك الأمر، وهذا الذي قادهم إلى تحويل الظواهر الطبيعية كالبرق، المطر، البراكين، الزلال، إلى آلهة تثور عندما يرتكبون شيئًا خاطئ.

حتى جاء اليوم الذي عرفنا فيه خطأ هذا الاعتقاد، وأن هذه الظواهر ليست آلهة ولكنها مجرد ظواهر طبيعية نعرف آلية عملها.

كن على علم أن منظومة الابتلاء هي إهانة كبيرة للخالق وتتناقض مع صفاته كُلِيّاً، وعدم معرفتنا بالأمور التي تحدث حولنا ليس معناه أن هذا من صنع الخالق، لأننا لو كنا نستخدم هذا التفكير طيلة حياتنا لم نكن لنعرف أن الظواهر الطبيعية ليست غضب الآلهة، بغض النظر عن أن هنالك الكثيرون يعتقدون هذا حتى الآن.

الله لا يبتلينا ولا يختبرنا ولا يريد منّا شيئًا على الأطلاق.. الله لا يريد سوى أن ننظر له نظرة عقلانية بدون شوائب التفكير البشري.. الله لا يستخدم أسلوب العصا والجزرة لكي نتدرَّع له، أن هذا لتفكير مهين جدًا للخالق.
الخالق ليس كما تتصورون، الخالق أعظم بكثير من تلك الشوائب البشرية.



الاسمبريد إلكترونيرسالة