U3F1ZWV6ZTMyMzYwNjYyMjMyX0FjdGl2YXRpb24zNjY2MDE2NTU1NDk=
recent
أخبار ساخنة

فلسفة الإنسانية (ما قبل التاريخ)

في داخل كل إنسان منّا مفاهيم أخلاقية وإنسانية، تختلف أو تتفق معها ليست هنالك مشكلة. لكنّي أتساءل فيما وراء هذه المفاهيم، بمعنى ما الذي جعلنا نتخذ هذه المفاهيم كمنهج للحياة؟ وهل هي آتت هكذا في يوم وليلة؟ أم أن الأمر أستغرق حياة البشرية بأكملها؟
في هذا المقال سأحاول أن أجيب عن بعض هذه التساؤلات التي تؤرقني وتؤرق الكثيرون.



فلفسة الإنسانية (ما قبل الحضارات)

عندما أعود بذاكرتي للماضي، أرى فيها أنني لم أكن إنسان سوي نفسيًا، بالإضافة إلى أنني لم يكن بداخلي أي معنى من معاني الإنسانية. وهذا التشويه يحدث من قِبَل البيئة المحيطة ومن قِبَل أفكار وأساليب واختيارات الأهل التي سيترتب عليها مسار حياة المرء.

ولكن هنالك فترة في حياة كل إنسان تأتي عندما يكون الروتين غير مفيد وليس له أي غاية. هذه الفترة بمثابة ثقب أسود يجذب العقل نحوه بطريقة جنونية، ولن يتوقف عن الجذب حتى يسقطه بداخله.

لقد سقط وسقطت معي جميع أفكاري اللاإنسانية، حتى جاءت اللحظة التي أبصرت فيها ورأيت ما كان غائبًا عني، رأيت أن جميع الأفكار التي بداخل عقلي تلتهمني وتلتهم كلّ مَن حولي. شعرت فعلًا بهذا الشعور وأدركت أنه شعور مؤذي جدًا بالنسبة لي، فماذا يكون بالنسبة للآخرين؟

وهذه طريقة من الطرق التي تقود الإنسان نحو فلسفته الإنسانية وغايته في الحياة. لم يأتي الوعي بكل الأشياء فيما قبل التاريخ في يوم وليلة، فهذه الأمور تستغرق عقود زمنية، وتحدث بشكل تدريجي عبر الأجيال.

ولكن في الوقت الحالي هل يحتاج الأمر إلى هذه الفترة الزمنية الكبيرة؟ الإجابة هي لا. في ظل هذا التطور المعرفي، والثقافي، والأدبي، والفني، والحضاري، فالأمر لا يحتاج سوى بضع سنوات فقط. فإن الأشياء الموجودة الآن التي يمكننا الاطلاع عليها وقتما نشاء، لم تكن في متناول إنسان ما قبل التاريخ.

فما الذي كان قبل ظهور الإنسانية؟ ماذا كان يوجد قبل الحضارات، أي قبل التاريخ؟ وما هي أول حضارة إنسانية؟ نقتبس في هذا الأمر موجز قصير من كتاب (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة الجزء الأول) لعالم الآثار العراقي (طه باقر).

ماذا كان يوجد فيما قبل التاريخ؟

«بعد أن قضى الإنسان الشطر الأعظم من حياته يعيش حياة بدائية في عصور ما قبل التاريخ (التي استغرقت نحو 99% من حياة البشر على هذه الكرة) دخلت البشرية في أخطر تجربة لا تزال تعانيها، ألا وهي انتقالها إلى طور الحضارة، وقد تحقق ذلك بانتقال سكان وادي الرافدين من عصور ما قبل التاريخ في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد إلى حياة الحضارة والمدينة، حيث نشأت أولى المدن ونظام الحكم والكتابة والتدوين والشرائع المدونة والفنون والآداب وأسس العلوم والمعارف. إلى غير ذلك من مقومات العمران والمدنية.

الشطر الأعظم الثاني

وعند ذلك شرع الإنسان ينظر في هذا الكون العجيب ويفكر في الحياة الاجتماعية البشرية الجديدة ومعانيها وقيمها، وأخذ يعبّر عن تصوراته وأفكاره والانطباعات التي تركتها فيه. وسلك في تعبيره عن هذه الأمور سبلًا فكرية مختلفة، فتارة ينظر إلى الأشياء نظرة موضوعية ليفيد من امكانياتها ويسخرها له فنشأت أسس العلوم والمعارف والأساليب التقنية (التكنولوجية)»

مما سبق نستنج أن انتقال البشرية إلى طور الحضارة أدى إلى قفزة تدريجية في الوعي الإنساني. ولأن صراع البقاء قد بلغ منتهاه، فكان يجب العثور على حل لهذا الأمر الذي لم يقود البشرية إلى شيء سوى أن أعداد كبيرة جدًا من البشر قد تم افتراسها على أيدي الحيوانات. فالحيوانات المفترسة هي العامل الذي كان يهدد حياة البشر في كل لحظة بعد الظروف المحيطة.

وكما نلاحظ أن الحل لتجنب هذه الصراعات كان في الانتقال إلى طور الحضارة وصناعة حياة هادئة بعيدة عن الصراعات التي لا تخدم قوانين البقاء. ومع هذه الحياة الهادئة وجد الإنسان ضالته حينما تأمل في الكون وأشرع في البحث عن غايته في هذه الحياة العجيبة.

فكان نتاج ذلك التأمل والبحث المستمر، هو الفن، الأدب، الثقافة، العلوم، وعلى رأسهم الدين الذي كان السبيل الوحيد لخلود هذا البحث والتأمل الإنساني. فعدو الإنسان الأول كان الموت كما هو الحال حتى الآن.

ولأن البشر على مدار الحضارات الإنسانية كانوا يحاربون فكرة الزوال بالتدوين، لأنه كانت ترعبهم فكرة أن تأملاتهم وثقافاتهم ودينهم سيندثر كما أندثر البشر السابقين دون أن نسمع عنهم شيئًا. وهذه الآلية التي أتبعتها جميع الحضارات.

ومن أقدم هذه الحضارات البشرية التي ترجع أصلها إلى 4000 عام. الحضارة السومرية في جنوب بلاد الرافدين. حيث سنطَّلع على أقدم ملحمة إنسانية في التاريخ، والتي لا تزال خالدة وذات رونق خاص في جميع الأزمان والأمكنة. «لأن القضايا التي عالجتها لا تزال تشغل بال الإنسان وتفكيره وتؤثر في حياته العاطفية والفكرية ممّا جعل مواقفها وحوادثها مثيرة تأثر القلوب.

وسيتضح لنا الآن من الوقوف أمام نص الملحمة البطولية الخالدة التي قد عالجت قضايا إنسانية عامة، كمشكلة الحياة والموت، وما بعد الموت، والخلود، ومثلت تمثيلًا مؤثرًا بارعًا ذلك الصراع الأزلي بين الموت والزوال المقدرين وبين إرادة الإنسان المغلوبة المقهورة في محاولتها التشبث بالوجود والبقاء. فهي بذلك تمثل التراجيدي الإنسانية الأزلية المتكررة.»

ملحمة جلجامش:
ملحمة جلجامش

الجدير بالذكر أن حتمية الموت هي عصب الحضارات الإنسانية، ولوْلاها لكان السعي وراء البقاء هو المفهوم السائد. فالموت يمثل عاملًا كبيرًا في بناء الوعي الإنساني والتساؤلات الفلسفية التي على شَّاكِلة (لماذا نموت؟ ماذا بعد الموت؟ هل هنالك حياة أخرى بعد الموت؟ هل سوف ألتقِ بأحبّائي الذين ماتوا مرة أخرى؟ أين تذهب الحيوانات عندما تموت؟ هل يوجد لها حياة أخرى؟)

وبالتأكيد لا يوجد إجابات قاطعة على مثل هذه الأسئلة، فجميع الإجابات تندرج في خانة الفلسفة، لأن ببساطة لم يعود أحد من الموت ليخبرنا ماذا هناك.

 فلماذا الملحمة قد شغلت بموضوع أساسي هو البرهان بأسلوب مؤثر على حتمية الموت. «أليست هذه من البديهيات لدى جميع البشر؟ أليست حقيقة الموت البديهية لا تزال تتكرر ليل نهار في حياة الإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض قبل نحو مليون عام؟ إذن فما وجه الجدة والأصالة في عرض مسألة الموت والحياة والبرهنة على حتمية الموت في ملحمة جلجامش؟»

على الرغم من أن كون هذه الظاهرة المعتادة تبدو من البديهيات لدى العقل الواعي والتفكير المنطقي، ألا أنها لا تزال موضع حيرة ولغزًا كبيرًا لأحاسيس ورغبات وغرائز البشر، بسبب عدم وجود أدلة قاطعة فيما سيحدث بعد الموت. أن الخوف من المجهول سبب كافي ليكون الإنسان شغله الشاغل تلك القضايا المصيرية.

إذن، فمن هو جلجامش هذا الذي أصبح مثالًا يحتذى به لدى أبطال الأمم الأخرى؟ المثير للعجب أن أعمال جلجامش ومغامراته قد أصبحت مادة لملاحم وقصص وأفلام كثيرة. فعندما يريد أحدهم مادة خام لقصة إنسانية مثيرة، سيذهب دون تفكير إلى جلجامش.

وهذا الذي سنتعرف عليه في مقالة اخرى من هنا

المصادر:
  • كتاب مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة الجزء الأول

الاسمبريد إلكترونيرسالة