U3F1ZWV6ZTMyMzYwNjYyMjMyX0FjdGl2YXRpb24zNjY2MDE2NTU1NDk=
recent
أخبار ساخنة

ملحمة جلجامش (أقدم الحضارات في التاريخ)

تحدثنا في المقال السابق عن فلسفة الإنسانية وماذا كانت الإنسانية فيما قبل التاريخ، وأستشهدنا بملحمة جلجامش كحضارة إنسانية من الطراز العتيق. وسنستكمل الملحمة في السطور الآتية.
قبل الشروع في سرد ملحمة جلجامش وجب التنويه بأنني لن أذكر جميع الألواح بالتفاصيل. لكن سأذكر الألواح التي أراها مهمة وتدخل في لُبُّ الملحمة مع وضع الملاحظات داخل سرد الألواح، فالسرد لن يكون مطابق لسرد الألواح، لكنه سيكون بمثابة سرد مُبسَّط قدر الامكان. ويمكنكم الاطلاع على كافة تفاصيل الملحمة في المصادر.

ملحمة جلجامش (أقدم الحضارات في التاريخ)

عن جلجامش:

كان جلجامش حاكم «اوروك» المدينة السومرية التي هي الوركاء حاليًا. ثلثاه من مادة الآلهة الخالدة وثلثه الباقي من مادة البشر الفانية، أي نصف إله.

وهذا لأن أمه كانت الإلهة «ننسون» زوجة الإله «لوكال بندا» ولكن يبدو من الملحمة أن أبا جلجامش لم يكن «لوكال بندا». إنما كان ملك بهيئة "للا" والذي يعني نوعًا من الشياطين.

بعد أن خُلِق جلجامش وأحسن الإله العظيم خلقه، أعطاه «شمش» السماوي الحسن، والإله شمش هو إله الشمس المعروف بإله العدل والشرائع حينذاك. وخصَّه «ادد» إله الرعود والعواصف بالبطولة والشجاعة، إلخ من الصفات الحسنة.

فيما سبق نرى أن جلجامش كان المفضّل عند الآلهة، وذلك التفضيل قد فتح له ميزات كثيرة دون مقابل. وهنا نستنج أن الآلهة قد جعلت صورة جلجامش تتسم بالكمال. ولا سيّما أن طوله كان أحد عشر ذراعًا وعرض صدره تسعة أشبار وهيئة جسمه ليس كمثلها شيء.

وفي بداية اللوح الأول تبدأ الملحمة بالإشارة إلى شكوى النساء للآلهة من جلجامش فيقولون:

«لم يترك جلجامش ابنا لأبيه، ولم ينقطع ظُلْمه عن الناس ليل نهار، ولم يترك عذراء لحبيبها.
أيعقل أن يكون هذا جلجامش القوي الجميل الحكيم؟ راعي "اوروك"، أهذا هو راعينا؟»

يبدو لنا الآن أن جلجامش كان حاكم مجرم بالمعنى المتعارف عليه، فلقد فرض على راعيته أن عندما تتزوج أحد النساء لابد أن يأخذها إليه قبل أن تتزوج.

كما يبدو أيضًا أن هذه الفعلة كانت مخصصة لجلجامش فقط وكانوا يبررون هذا بأن جلجامش قوي وجميل وحكيم وأن هذا أمر من الآلهة الكبيرة. ولكن لقد طفح الكيل.

وحتى نكون منصفين، دعونا لا نتسرع في الحكم عليه، فأي إنسان لديه جوانب مظلمة والملحمة لا تغطَّي على تلك الجوانب بل تظهرها بكل شفافية.

وأخيرًا سمعت الآلهة شكواهن فاستدعت رب السماء "الإله «آنو» كبير آلهة العراق القديم" وقالوا له في عتاب:
«ألم تكن أنت الذي خلق هذا الوحش الجبار الذي لا يضاهي بطش أسلحته سلاح؟ أن جلجامش راعي "اوروك" ولكنه يضطهد الناس ليل نهار»

ولما استمع «آنو» إلى شكواهن، دعوا «ارورو» العظيمة إحدى الالهات الخالقات وقالوا لها:
"«يا ارورو» أنتِ التي خلقتي جلجامش بأمر «انليل» فأخلقي الآن شبيهًا له في قوة القلب والعزم، وليكونا في صراع مستديم لتنال «اوروك» السلام والراحة"

والصراحة أنني لا أفهم لماذا دعوا الآلهة أن يخبروا الإله «آنو» كبير الآلهة الذي من المفترض وفق عتاب آلهة السماء أنه هو الذي خلق جلجامش. ولكن ترى أنه ليس «آنو» الذي خلقه بل «ارورو» بأمر من «انليل».

فالأمر غريب وغير واضح ولكن يبدو أن آلهة السماء كانت تعمل كوسيط للإله الأكبر «آنو»، أما جزء مَن خلق جلجامش، فغير واضح.

وعندما سمعت «ارورو» شكواهن، تخيَّلت صورة لمثيل جلجامش فغسلت يديها وأخذت قبضة طين ورمتها في البرية.

لينهض «انكيدو» للحياة ولتصبح أحداث الملحمة أكثر اثارة. يعتبر «انكيدو» هو الجزء الأهم في هذه الملحمة، حيث ظهوره سيترتب عليه جميع الأحداث تقريبًا. وستنشأ أعظم صداقة في تاريخ البشرية بين «انكيدو» وجلجامش، والتي من خلال هذه الصداقة سوف يسمو جلجامش بإنسانيته وسيتعلم الكثير.

عن انكيدو:
enkidu

كما رأينا سابقًا أن «انكيدو» خُلِق كي يكون الند لجلجامش، وأن يكونا في صراع دائم. وكما يبدو أن هذا الصراع يمثل صراع الخير والشر الذي لا يزال مستمرًا حتى الآن.

فيما يبدو من بعض صور التماثيل التي عثر عليها، أن «انكيدو» كائن اسطوري رأسه رأس إنسان، وجسمه جسم حصان، أو ما شابه. 
(أنظر إلى صورة المقال)

ولكن حسب الملحمة، كان انكيدو مجرد إنسان يكسو جسمه الشعر، وشعر رأسه كشعر المرأة وجدائل شعره كشعر «نصابا» آلهة الغلة والحبوب. ولم يكن يشبه جلجامش، لكن هذا من الخارج فقط.

عاش انكيدو في البرية وكان من نسل «ننورتا» إله الحرب، لا يعرف الناس ولا البلاد، أي كان بدائيًا. وملابسه مثل «سموقان» إله الماشية.
ومع الظباء يأكل العشب، ويشرب مع حيوانات البرية من موارد الماء ذاتها.

فحدث أن صيادًا التقى به عند مورد الماء، وعندما رآه امتقع وجهه من الخوف وفرَّ هاربًا. فشاهده يومًا ثانيًا عندما وضع شِباكه كي يصطاد أحد حيوانات البرية.

فوجد «انكيدو» يقوم بتمزيق الشِباك وإنقاذ الحيوان الذي وقع في شِباك هذا الصياد. ذلك المشهد جعل الصياد يشعر بالذعر والخوف الشديد، حيث شُلَّت جوارحه وتسمَّر في مكانه وصار وجهه كمن أنهكه السفر البعيد، وعندما عاد إلى وعيه، فرَّ هاربًا إلى أبيه يخبره بما حدث.

فأجابه أبيه بالحل قائلاً:
«يا بني، أذهب إلى جلجامش الذي لا مثيل له، وأخبره بما حدث وقُل له أن يعطيك (بغيا) تصحبها معك، ودعها تغلبه وتروضه.»
وحينما يأتي ليسقي الحيوان من مورد الماء، دعها تخلع ثيابها وتكشف عن مفاتن جسمها. فإذا ما رآها سينجذب إليها وعندئذ ستنكره حيواناته التي عاشت معه.»

كانت هذه هي الخطة للتخلُّص من أفعال «انكيدو» وجوهر الخطة قائم على اغراء انكيدو بواسطة امرأة جميلة، ولأن انكيدو يعيش في البرية طوال حياته ولم يرى امرأة قط، فسيحدث له انفجار جنسي سيجعله يهدئ من روعه قليلًا ويبتعد عن افعاله تلك.

وبالفعل انطلق الصياد إلى جلجامش يخبره بما حدث، فقال له جلجامش:
«اذهب يا صيادي واصطحب معك بغيا» باقي الكلام هو تكرار لِمَ قاله أبا الصياد، فلا داعي لذكره مجددًا.

فأنطلق الصياد بأمر من جلجامش إلى معبد «عشتار» إلهة الحبُّ والخصوبة، ليصطحب معه «شامخات» إحدى خدامات المعبد.
سارا في الطريق نحو البرية، وفي اليوم الثالث بلغا الموضع المقصود عند مورد الماء. مكثا يومان حتى ظهر انكيدو.
فأشار الصياد إليه محدثًا «شامخات» قائلاً:
«هذا هو يا بغي فأكشفي عن مفاتنك اكشفي عن عورتك. (ويقول "طه باقر" بخصوص استعمال لفظ عورة بأنه استعملها لأنها موجودة في الأصل البابلي.) حتى ينجذب إليكِ، راوديه واجعليه يجن جنونه، فأنه عندما يراكِ سيقع في حبائلك وستنكره حيوانات البرية التي ربيت معه. علمي ذلك الوحش فنون المرأة.»


لحظة اغراء انكيدو بواسطة شامخات


فأسفرت البغي عن نهديها وكشفت عن عورتها، فتمتع انكيدو بمفاتن جسمها، فوقع بها. وهنا حدث الانفجار الجنسي الذي تحدثنا عنه سابقًا، حيث لبث انكيدو مع البغي ستة أيام وسبع ليالي.

وبعد أن قضى وطره منها ذهب إلى حيوانات البرية، فما ان رأته الظباء حتى فرَّت منه هاربة، وهربت منه حيوانات البرية جميعها.

والحقيقة أن الأمر هنا يدعو للتساؤل لأنني لا أفهم لماذا فرَّت منه حيوانات البر؟ هل لأنه خانها مثلًا ومارس الجنس؟ ولو كان فعلًا كذلك، إذن فكيف كانت تتكاثر الحيوانات؟ من المستحيل حدوث ذلك الأمر، أن الأمر محيّر وغريب.

وحينما حاول انكيدو اللحاق بالحيوانات، شُلَّ جسمه من أثر الممارسة الغريبة التي دامت ستة أيام وسبع ليالي، وخذلته ركبتاه.

فأصبح انكيدو خائر القوى لا يستطيع أن يعدو كما كان يفعل سابقًا. لكنه صار مدركًا وواسع الفهم، لقد قلَّت شراسته فنظر إلى «شامخات» حينما أشرعت بالتحدث إليه قائلة:
«أنك حكيم يا انكيدو، وأنت كالإله فعلام تجول في البرية مع الحيوانات؟ تعال آخذك إلى «اوروك»، إلى البيت المشرق مسكن الآلهة، حيث يعيش جلجامش الذي لا مثيل له، المتسلط على الناس كالثور الوحشي»

فلما استمع انكيدو إلى هذا الكلام أجابها:
«هلمي أيتها البغي، خذيني إلى حيث يعيش ذلك المتسلط جلجامش، وأنا سأتحداه، وسأخاطبه بعنف وسأصرخ في قلب "اوروك" أنا الأقوى. أنا الذي سيبدل المصائر، أن الذي وُلِد في البرية هو الأقوى»

نشير إلى أنه لم يجرؤ أحد من سكان «اوروك» على تحدي جلجامش، فإنه بمثابة إله وتحديه يعني الهلاك، وخصوصًا أن جلجامش لم ينهزم في معركة قط. فكان هذا قرار جريء جدًا من انكيدو الذي لم يكن مدركًا سوى الآن.

فأجابته البغي قائلة:
«هلم نذهب إلى المدينة، كل يوم تقام الأفراح كالعيد، وترتدي الناس أبهى الحلل ويأكلون ما لذ وطاب. ولكن يا انكيدو ابتعد عن غرورك وتبجحك فإن جلجامش قد خصَّه "شمش" بالرضا والرعاية، وحباه "آنو" و "انليل" و "أيا" بالفهم الواسع. وقبل أن تترك البراري سيراك جلجامش في رؤى»

والفهم الواسع معناه حرفيًا أنهم قد "وسعوا اذنه" والاذن الطويلة والواسعة عند العراقيين القدماء كناية عن الفهم والحكمة. وبرغم هذا التحذير من «شامخات» لإنكيدو، ألا أنه لم يتراجع عن قرار محاربة جلجامش.

وفعلًا استيقظ جلجامش في تلك اللحظة واخذ يقص على أمه «ننسون» رؤياه قائلاً لها:
«يا أمي لقد رأيت حلمًا، رأيت إني أسير مختالًا فرحًا بين الأبطال، فظهرت كواكب السماء وقد سقط أحدها إليَّ وكأنه شهاب السماء "آنو" ولقد أردت قتله لكني تراجعت عن ذلك. فأجتمع حوله أهل "اوروك" وازدحم الناس حوله وتدافعوا عليه، وأجتمع عليه أصحابي يقبلون قدميه. فانحنيت عليه كما انحني على امرأة، وساعدوني فرفعته وأتيت به عند قدميكِ فجعلته نظيرًا لي»

فقالت «ننسون» العارفة بكل شيء:
«أنه صاحب لك قوي يعين الصديق عند الضيق، أنه أقوى مَن في البراري. وأما أنك انحنيت عليه كما تنحني على امرأة، فمعناه أنه سيلازمك ولن يتخلَّى عنك، وهذا هو تفسير رؤياك»

ثم رأى جلجامش رؤيا ثانية فقصها على أمه:
«رأيت فأسًا مطروحة وهي ذات شكل عجيب وكان الناس متجمعين حولها، ولما رأيتها احببتها وانحنيت عليها كأنها امرأة، ثم جئت بها ووضعتها عند قدميك فجعلتيها أنتِ نظيرًا لي»

فأجابته «ننسون»:
«أن الفأس معناها "رجل" وأما أنك انحنيت عليه والذي جعلته لك نظيرًا، فتعبيره أنه صاحب قوي يعين الصديق عند الضيق»
ففتح جلجامش فاهه في فرح وقال:
«عسى أن يتحقق هذا الفأل العظيم فيكون لي صاحب».
ومع ظهور انكيدو في المدينة سيتحقق هذا الحلم على يده والذي سيعلن عن بداية صداقة البطلان.

الصداقة المقدسة:

صداقة جلجامش وانكيدو
أخذت «شامخات» انكيدو تجوب به المدينة كما تفعل الأم بطفلها. وعرَّفته بأهل «اوروك» وطعامهم، وحينما وضعوا أمامه خبزًا تحيَّر وأضطرب وصار ينظر إلى البغي في تساؤل. فكان انكيدو لم يعرف كيف يأكل الطعام ولا يشرب الشراب "الخمر".

وكانت البغي لإنكيدو أفضل مُعين، فعلمته ذلك قائلة:
«كل الخبز يا انكيدو، فأنه مادة الحياة. واشرب من الشراب، فهذه عادة البلاد»

فانطلقت روحه وانشرح صدره وطرب قلبه واضاء وجهه. ومسح جسده المشعر بالزيت وصار إنسانًا فلبس الملابس وأخذ سلاحه وانطلق يصطاد الأسود والذئاب ليريح الرعاة في اثناء الليل لكي يناموا مطمئنين. ومنذ هذه اللحظة أصبح انكيدو حارسهم وناصرهم.

وعندما رأى انكيدو رجلًا يتجول فطلب من البغي أن تأتي به، فنادت عليه ليخبرهم بالآتي:
«لقد اقتحم جلجامش "بيت العرائس"، لقد أحل في المدينة العار والدنس، وفرض على المدينة المنكرات وأعمال السخرة. لقد خصصوا الطبل ليختار العرائس قبل أزواجهن فيكون هو العريس الأول قبل زوجها. وهُم يقولون: "لقد أرادت الآلهة هذا الأمر وقدروه له منذ أن قطع حبل سرته"»

أن أهل «اوروك» قد أرسلوا هذا الرسول ليبلغ انكيدو شكواهم من مظالم جلجامش ويحرضوه على قتاله، بعدما نسى الأمر وانشغل في أمور المدينة.




ولما استمع انكيدو إلى حديث هذا الرجل حتى امتقع وجه انكيدو من شدة غضبه. فسارا انكيدو إلى الأمام وخلفه البغي، ولما دخل «اوروك» ذات الأسواق الواسعة، تجمهر حوله سكان المدينة قائلين عنه:
«هذا هو مثيل جلجامش، أنه أقصر قامه ولكنه أقوى عظمًا. لقد رضع لبن حيوان البر. وفي "اوروك" لن تنقطع قعقعة السلاح»
وهذه إشارة وتمهيدًا للصراع الذي سينشب بين انكيدو وجلجامش.

ولما كان جلجامش يتهيأ للقيام بهذه الشعائر الدينية صادف مجيء انكيدو فتصدى له ومنعه من دخول المعبد. فأنقض عليه جلجامش وهاجمه، تلاقيا في موضع السوق ثم سد انكيدو "بيت العرائس" بقدميه ومنع جلجامش من الدخول إلى الفراش.

أمسك أحدهما بالآخر وهما متمرسان بالصراع، وحطما عمود الباب وارتج الجدار. وظل يتصارعان كالثوريين الوحشيين وحينما ثنى جلجامش ركبتاه وقدماه ثابتة في الأرض ليقتل انكيدو، هدأت سورة غضبه عندما تذكر الحلم حينها تحدث له انكيدو قائلاً:
«أنك الرجل الأوحد، أنت الذي حملتك أمك "ننسون"، البقرة الوحشية ورفع انليل رأسك عاليًا على الناس وقدر إليك الملوكية على البشر»


كما هو واضح من السياق السابق أن الغلبة كانت لجلجامش، وعدم قتل جلجامش لإنكيدو يفسر لنا قدسية الرؤى حينذاك. وستصف الملحمة كيف صارا صديقين حميمين، وأن أنكيدو من جانبه قد اعترف بتغلب خصمه الذي يتحلَّى بالملوكية المقدسة.

سوف نستكمل في مقال آخر باقي الملحمة وسنتعرف عن مغامرات جلجامش وانكيدو في البحث عن الخلود وموت إنكيدو من قِبَل الآلهة. 



الاسمبريد إلكترونيرسالة